حين تتحول الثقافة إلى سؤال وجودي.. نجاح لافت لأمسية توقيع “حراس البوابة الملعونة” و“أتيت عارياً” بطنجة.

ليست الثقافة حفلاً يُقام ثم ينتهي، ولا الكتاب مجرد أوراق تُوقّع أمام عدسات التصوير، بل هي في جوهرها فعل إنساني يعيد مساءلة الذات والعالم، ويمنح الإنسان فرصة أخرى للبحث عن المعنى وسط ضجيج الحياة. ومن هذا الأفق، احتضن المركز الثقافي إكليل بمدينة طنجة، مساء الجمعة 22 ماي 2026، أمسية ثقافية وفنية جمعت بين الأدب والفكر والوفاء، نظمتها جمعية دار السقاية ومؤسسة رائدات والمركز الثقافي إكليل، في لقاء احتفى بتوقيع رواية “حراس البوابة الملعونة” للكاتب والشاعر محمد سعيد الأندلسي، إلى جانب كتاب “أتيت عارياً” للكاتب عبد السلام الزوجل.
ولم تتخذ الأمسية طابع المناسبة التقليدية المرتبطة بتقديم الإصدارات الجديدة، بل بدت أقرب إلى لحظة تأمل جماعي حول معنى الكتابة ودورها في زمن تتسارع فيه التفاصيل وتتراجع فيه مساحات الإنصات. فقد تحولت القاعة إلى فضاء تتجاور فيه الكلمة مع التأمل، ويلتقي فيه الأدب بالحياة، وتُستعاد فيه الأسئلة الكبرى التي يحملها الإنسان في رحلته الطويلة نحو ذاته.
وجاءت رواية “حراس البوابة الملعونة” محمّلة بأبعاد رمزية وفلسفية تستحضر علاقة الإنسان بالمجهول، وبالأبواب التي يخشاها ويسعى لعبورها في الوقت ذاته؛ فغالباً ما تكون المخاوف التي نحملها هي ذاتها الممرات التي تقودنا إلى اكتشاف أنفسنا بصورة أعمق.
أما كتاب “أتيت عارياً” فقد حمل بعداً إنسانياً وتأملياً واضحاً، مستحضراً فكرة العودة إلى الجوهر الأول للإنسان، بعيداً عن الألقاب والأقنعة والتراكمات، في محاولة لفهم الذات داخل تعقيدات الوجود وتحولاته، ومن أكثر اللحظات تأثيراً خلال هذه الأمسية، تلك المبادرة الإنسانية التي صنعتها منصة كتابي للمبدعة الشابة وفاء أمساتن، وهي شاعرة شابة واجهت تحديات صحية مرتبطة باضطراب طيف التوحد والصرع، غير أن تلك التحديات لم تكن حاجزاً أمام شغفها بالكلمة، بل تحولت إلى قوة دفعتها نحو الشعر والإبداع.صحة
فقد حملت الشاعرة الشابة حلماً بسيطاً وعميقاً في آن واحد؛ أن تصل قصائدها إلى العالم، وأن ترى ديوانها الأدبي يخرج إلى النور. وخلال هذه الأمسية، تحول الحلم إلى حقيقة، بفضل دعم ومواكبة أستاذها الكاتب والشاعر محمد سعيد الأندلسي، إلى جانب الكاتب عبد السلام الزوجل، في مبادرة جسدت البعد الحقيقي للثقافة باعتبارها فضاءً لاحتضان الطاقات ومنح الأمل وصناعة الأثر.
ولأن الفعل الثقافي لا يكتمل دون الاعتراف بمن يصنعون أثره، فقد تخللت الأمسية فقرات تكريمية احتفت بثلة من المثقفين والإعلاميين وشخصيات مدينة طنجة، في لحظة تجاوزت بعدها الاحتفالي نحو معنى أعمق عنوانه الوفاء، والإيمان بأن العطاء الثقافي لا يُقاس بما يُنجز فقط، بل بما يتركه من أثر في ذاكرة المكان والناس.
وعرفت التظاهرة حضوراً نوعياً وتفاعلاً لافتاً من الفاعلين الثقافيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الأدبي، في مشهد أكد أن الكتاب ما يزال يحتفظ بقدرته على صناعة اللقاء، وأن الثقافة رغم تحولات العصر ما تزال قادرة على جمع المختلفين حول فكرة واحدة: أن الكلمة الصادقة لا تفقد قيمتها.
كما اختُتمت فعاليات الأمسية بحفل شاي على شرف الحاضرين، وتوقيع المؤلفين لإصداراتهما وسط أجواء من الحوار والتبادل الثقافي، تاركة خلفها رسالة واضحة مفادها أن الأدب ليس انعزالاً عن الواقع، بل طريقاً لفهمه، وأن الإنسان يكتب في النهاية لأنه لا يتوقف عن البحث عن ذاته بين الكلمات.
كما كانت المناسبة لحظة اعتراف وامتنان لكل المؤسسات والهيئات والشركاء والداعمين الذين ساهموا في إنجاح هذا الموعد الثقافي، من شركاء رسميين وفاعلين ومهتمين بالشأن الأدبي، والذين كان لدعمهم ومساندتهم أثر بارز في إخراج هذه التظاهرة بالصورة التي تليق بالمشهد الثقافي بمدينة طنجة.






